فخر الدين الرازي

171

تفسير الرازي

ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثاً ما يدفناه حتى أنتن في بيته ، وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس الطاعون ، وقالوا نخشى هذه القرحة ، ثم دفنوه وتركوه ، فهذا معنى قوله : * ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) * وثالثها : الإخبار بأنه من أهل النار ، وقد كان كذلك لأنه مات على الكفر . المسألة الرابعة : احتج أهل السنة على وقوع تكليف مالا يطاق بأن الله تعالى كلف أبا لهب بالإيمان ، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار ، فقد صار مكلفاً بأنه يؤمن بأنه لا يؤمن ، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال . وأجاب الكعبي وأبو الحسين البصري بأنه لو آمن أبو لهب لكان لهذا الخبر خبراً بأنه آمن ، لا بأنه ما آمن ، وأجاب القاضي عنه فقال : متى قيل : لو فعل الله ما أخبر أنه لا يفعله فكيف يكون ؟ فجوابنا : أنه لا يصح الجواب عن ذلك بلا أو نعم . واعلم أن هذين الجوابين في غاية السقوط ، أما الأول : فلأن هذه الآية دالة على أن خبر الله عن عدم إيمانه واقع ، والخبر الصدق عن عدم إيمانه ينافيه وجود الإيمان منافاة ذاتية ممتنعة الزوال فإذا كان كلفه أن يأتي بالإيمان مع وجود هذا الخبر فقد كلفه بالجمع بين المتنافيين . وأما الجواب الثاني : فأرك من الأول لأنا لسنا في طلب أن يذكروا بلسانهم لا أو نعم ، بل صريح العقل شاهد بأن بين كون الخبر عن عدم الإيمان صدقاً ، وبين وجود الإيمان منافاة ذاتية ، فكان التكليف بتحصيل أحد المتضادين حال حصول الآخر تكليفاً بالجمع بين الضدين ، وهذا الإشكال قائم سواء ذكر الخصم بلسانه شيئاً أم بقي ساكتاً . * ( وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) * . أما قوله تعالى : * ( وامرأته حمالة الحطب ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء ومريئته بالتصغير وقرئ حمالة الحطب بالنصب على الشتم ، قال صاحب الكشاف : وأنا أستحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل من أحب شتم أم جميل وقرئ بالنصب والتنوين والرفع . المسألة الثانية : أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية ، وكانت في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكروا في تفسير كونها حمالة الحطب وجوهاً : أحدها : أنها كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ، فإن قيل : إنها كانت من بيت العز فكيف يقال : إنها حمالة الحطب ؟ قلنا : لعلها كانت مع كثرة مالها خسيسة أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك والحطب ، لأجل أن تلقيه في طريق رسول الله وثانيها : أنها كانت تمشي بالنميمة يقال : المشاء بالنمائم المفسد بين الناس : يحمل الحطب بينهم ، أي يوقد بينهم النائرة ، ويقال للمكثار : هو حاطب